حب المال
حب المال
وهو من شعب حب الدنيا، إذ حب الدنيا يتناول حب كل حظ عاجل، والمال بعض أجزاء الدنيا، كما أن الجاه بعضها، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها، والكبر وطلب العلو بعضها. وبالجملة: لها أبعاض كثيرة يجمعها كل ما للانسان فيه حظ عاجل، فآفات الدنيا كثيرة الشعب والأرجاء، واسعة الأرجاء والأكناف، ولكن أعظم آفاتها المتعلقة بالقوة الشهوية هو (المال)، إذ كل ذي روح محتاج إليه ولا غناء له عنه، فإن فقد حصل الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا، وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا، فهو لا يخلو من فوائد وآفات، وفوائده من المنجيات وآفاته من المهلكات، وتمييز خيرها وشرها من المشكلات، إذ من فقده تحصل صفة الفقر، ومن وجوده تحصل صفة الغناء، وهما حالتان يحصل بهما الامتحان. ثم (للفاقد) حالتان: القناعة، والحرص. وإحداهما محمودة والأخرى مذمومة. و(للحريص) حالتان: تشمر للحرف والصنائع مع اليأس عن الخلق، وطمع بما في أيديهم. وإحدى الحالتين شر من الأخرى. و(للواجد) حالتان: إمساك، وإنفاق. وأحدهما مذموم والآخر ممدوح. و(للمنفق) حالتان: إسراف، واقتصاد. والأول مذموم والثاني ممدوح. وهذه أمور متشابهة لا بد أولا من تمييزها، ثم الأخذ بمحمودها والترك
لمذمومها، حتى تحصل النجاة من غوائل المال وفتنتها. ومن هنا قال بعض الأكابر: الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه. قيل وما رقيته؟ قال: أخذه من حله، ووضعه في حقه.
فصل ذم المال
الكتاب والسنة متظاهران في ذم المال وكراهة حبه، قال الله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . وقال: وأعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة . وقال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا... الآية . وقال رسول الله (ص): حب المال والشرف ينبتان النفاق، كما ينبت الماء البقل . وقال (ص): ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم ، وقال: شر أمتي الأغنياء . وقال (ص): يقول الله - تعالى -: يا ابن آدم! مالي. مالي! وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟! وقال (ص): أخلاء ابن آدم ثلاثة: واحد يتبعه إلى قبض روحه وهو ماله، وواحد يتبعه إلى قبره وهو أهله، وواحد يتبعه إلى محشره وهو عمله . وقال (ص): يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه، كلما يكفأ به الصراط قال له ماله: إمض وقد أديت حق الله في. ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها وماله بين كفيه، كلما يكفأ به الصراط قال ماله: ويلك؟ ألا أديت حق الله في؟... فما يزال كذلك حتى يدعو بالثبور والويل . وقال (ص): إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم . وقال (ص): لكل أمة عجل، وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم . وقال (ص): يؤتى برجل يوم القيامة، وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام. فيقال: إذهبوا به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام، فيقال: إذهبوا به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حرام وأنفقه في حلال، فيقال اذهبوا به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حلال، فيقال له: قف لعلك قصرت في طلب هذا بشيء مما فرضت عليك من صلاة لم تصلها لوقتها، وفرطت في شيء من ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول: لا يا رب! كسبت من حلال وأنفقت في حلال، ولم أضيع شيئا مما فرضت، فيقال: لعلك إختلت في هذا المال في شيء من مركب أو ثوب باهيت به، لا يا رب! لم أختل ولم أباه في شيء، فيقال: لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فيقول: لا يا رب! لم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطيه. فيجئ أولئك فيخاصمونه، فيقولون: يا رب. أعطيته وأغنيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته أن يعطينا، فإن كان قد أعطاهم وما ضيع مع ذلك شيئا من الفرائض ولم يختل في شيء، فيقال: قف الآن هات شكر نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لقمة أو لذة... فلا يزال يسأل . فليت شعري - يا أخي - إن الرجل الذي فعل في الحلال، وأدى الفرائض بحدودها، وقام بالحقوق كلها، إذا حوسب بهذه المحاسبة، فكيف يكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها، وشبهاتها وشهواتها وزينتها، فيا لها من مصيبة ما أفظعها، ورزية ما أجلها، وحسرة ما أعظمها! لا ندري ما تفعل بنا الدنيا غدا في الموقف عندي يدي الجبار. ولخوف هذا الخطر قال بعض الصحابة: ما يسرني أن اكتسب كل يوم ألف دينار من حلال وأنفقها في طاعة الله، ولم يشغلني الكسب عن صلاة الجماعة ، قالوا له: ولم ذلك رحمك الله؟ قال: لأني غني عن مقامي يوم القيامة، فيقول الله - عبدي من أين اكتسبت وفي أي شيء أنفقت؟ . فينبغي لكل مؤمن تقي ألا يتلبس بالدنيا، فيرضى بالكفاف، وإن كان معه فضل فليقدمه لنفسه، إذ لو بقي بعده لكان له مفاسد وآفات. روي: أنه قال رجل: يا رسول الله، ما لي لا أحب الموت؟ فقال: هل معك من مال؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: قدم مالك أمامك، فإن قلب المؤمن مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن خلفه أحب أن يتخلف معه . ووضع أمير المؤمنين (ع) درهما على كفه، ثم قال: أما إنك ما لم تخرج عني لا تنفعني . وروي: إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعهما إبليس، ثم وضعهما على جبهته، ثم قبلهما وقال: من أحبكما فهو عبدي حقا . وقال عيسى (ع): لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا، فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم . وقال بعض الأكابر: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته ، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كل . ثم جميع ما ورد في ذم الغنى ومدح الفقر - كما يأتي بعضه -، وجميع ما ورد في ذم الدنيا - كما تقدم بعضه - يتناول ذم المال، لأنه أعظم أركان الدنيا.
آخر تعديل كريم الاحمد يوم
01-25-2010 في 08:57 PM.
|